يحيي بن حمزة العلوي اليمني

134

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أشار إليه فقد حده ، ومن حده فقد عده ، ومن قال فيم فقد ضمنه ، ومن قال علام فقد أخلى منه ، فانظر إلى هذا التوحيد الذي لم يسبق إليه ، وإلى هذا الإخلاص الذي لم يزاحم عليه ، بل استبد به من بين سائر الخلائق ، وتميز بالإحاطة والاستيلاء على تلك الحقائق ، وقد أشرنا إلى هذه الرموز بهذه الأحرف وكيفية دلالتها على التوحيد ، والتنزيه في كتابنا الديباج الذي أمليناه شرحا لكلامه فليطالع من هناك ، ثم قال : أنشأ الخلق إنشاء ، وابتدأه ابتداء بلا روية أجالها ، ولا تجربة استفادها ، ولا حركة أحدثها ، ولا همامة نفس اضطرب فيها ، فهذه نكتة شريفة من كلامه أشار فيها إلى التوحيد ، وخلق العوالم كلها وإبداع المكونات . النكتة الثانية في الإشارة من كلامه إلى خلق السماوات : ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشق الأرجاء وسكائك الهواء ، فأجرى فيها ماء متلاطما تياره ، متراكما زخاره ، حمله على متن الريح العاصفة ، والزعزع القاصفة ، فأمرها برده ، وسلطها على شده ، وقرنها إلى حده ، الهوى من تحتها فتيق ، والماء من فوقها دفيق ، ثم أنشأ سبحانه ريحا اعتقم مهبها ، وأدام مريها ، وأعصف مجراها ، وأبعد منشاها ، فأمرها بتصفيق الماء الزخار ، وإثارة موج البحار ، فمخضته مخض السقاء ، وعصفت به عصفها بالفضاء ، ترد أوله على آخره ، وساجيه على مائره ، حتى عب عبابه ، ورمى بالزبد ركامه ، فرفعه في هواء منفتق ، وجو منفهق ، فسوى منه سبع سماوات ، جعل سفلاهن موجا مكفوفا ، وعلياهن سقفا محفوظا ، وسمكا مرفوعا بغير عمد يدعمها ، ولا دسار ينظمها ، ثم زينها بزينة الكواكب ، وضياء الثواقب ، وأجرى فيها سراجا مستطيرا ، وقمرا منيرا ، في فلك دائر ، وسقف سائر ، ورقيم حائر ، فهذه نبذة من كلامه أشار بها إلى كيفية إبداع السماوات النكتة الثالثة في صفة الأرض ودحوها على الماء قال : كبس الأرض على مور أمواج مستفحلة ولجج بحار زاخرة تلتطم أواذى أمواجها ، وتصفق متقاذفات أثباجها ، وترغو زبدا كالفحول عند هياجها ، فخضع جماح الماء المتلاطم لثقل حملها ، وسكن هيج ارتمائه إذ وطئته بكلكلها ، وذل مستخذيا إذ تمعكت عليه بكواهلها ، فأصبح بعد اصطخاب أمواجه ساجيا مقهورا ، وفي حكمة الذل منقادا أسيرا ، وسكنت الأرض مدحوة في لجة تياره ، وردت من نخوة